قبسات من موسوعة «البِدَايَةُ والنِهَايَة»

انشر لينتفع غيرك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

أحدث اقتباس بتاريخ 13 فبراير، 2021

«للإمام أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي»

«الحـَـلَّاج حقيقته وحِيَله ومقتله»
مجلد٧ صـ ٥٤٤-٥٥٣

  • نبذة من سيرته وأحواله وكشف سريرته وأقواله
  • ذكر أشياء من حِيَل الحلاج
  • ذكر صفة مقتل الحلاج

أولاً: نبذة من سيرته وأحواله وكشف سريرته وأقواله

الحسين بن منصور بن محمي الحلاج، كان جده مجوسيا ودخل بغداد وتردد إلى مكة مراراً للحج وجاور بها سنوات متفرقة، وكان يصابر نفسه ويجاهدها، وقد صحب جماعة من سادات مشايخ الصوفية.
قال الخطيب البغدادي: “والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، وأبى أن يعده فيهم….
قال الخطيب: والذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة (الشعوذة) في فعله، وإلى الزندقة في عقده.”

قلت (بن كثير): لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره؛ فأما الفقهاء فقد حُكي عن غير واحد من الأئمة إجماعهم على قتله، وأنه كان كافراً ممخرقاً مموهاً مشعبذاً، وكذلك قول أكثر الصوفية منهم، ومنهم طائفة أجملوا القول فيه، وغرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه، وقد كان في ابتداء أمره فيه تعبُّد وتأله وسلوك، ولكن لم يكن له علم يسلك به في عبادته….
وقد ورد من غير وجه أنه تقلبت به الأحوال وتردد إلى البلدان، وهو في ذلك كله يُظهِرُ للناس أنه من الدعاة إلى الله عز وجل. وصح أنه دخل إلى الهند ليتعلم السحر، وقال:”أدعو به إلى الله عز وجل
……ومما يدل على أنه كان ذا حلول (الزعم أن الله عز وجل يحل فيه -تعالى الله عن إفكه-) في بدء أمره أشياء كثيرة منها شعره، فمن ذلك قوله:
مزجت روحك في روحي … كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مَسـَّـكَ شيءٌ مسني … فإذا أنت أنا في كل حال

وقد أنشد لابن عطاء قول الحلاج:
أريدك لا أريدك للثواب … ولكني أريدك للعقاب
وكل مآربي قد نلت منها … سوى ملذوذ وجدي بالعذاب

قال الخطيب:
وحدثني مسعود بن ناصر بسنده سمعت عمرو بن سليمان يلعنه ويقول:”لو قدرت عليه لقتلته بيدي.” فقلت: أيش الذي وجد الشيخ عليه؟ قال:”قرأت آيةً من كتاب الله، فقال: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به.” قال أبو زرعة الطبري: وسمع أبا يعقوب الأقطع يقول: “زوجت ابنتي من الحسين بن منصور(الحلاج) لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لي بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيثٌ كافر.

وقد ذكر أبو القاسم القشيري في كتاب الرسالة في باب حفظ قلوب المشايخ أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة، وهو يكتب شيئاً في أوراق، فقال له: ما هذا؟ فقال الحلاج: هو ذا أعارض القرآن. قال: فدعى عليه فلم يفلح بعدها، وأنكر على أبي يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته، وكتب إلى الآفاق كتباً كثيره يلعنه فيها ويحذر الناس منه، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالاً وجعل يظهر للناس أنه يدعو إلى الله عز وجل، ويستعين بأنواع من الحِيَل، ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يُرَدُ عن القوم المجرمين، فقتلــــه بسيـــــف الشــــرع الـــذي لا يقــــــع إلا بيـــــن كتفـــــي زنديــــق، والله أكرم من أن يسلطه على صديق، كيف وقد تهجم على القرآن العظيم وأراد معارضته في البلد الحرام الكريم وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {الحج ٢٥}

ثانياً: ذكر أشياء من حِيَل الحلاج

ثالثاً: ذكر صفة مقتل الحلاج

قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قدِم آخر قدمة إلى بغداد، فصحب الصوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك “حامد بن العباس”، فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقاً من الحشم والحُجَّاب في دار السلطان، وزعم لهم أنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه، ويُحضِرون له ما يختاره ويشتهيه. وقال: إنه قد أحيا عدة من الطير. وذُكِرَ لعلي بن عيسى أن رجلا يقال له “محمد بن علي” يعبد الحلاج ويدعو الناس إلى ذلك، فطلبه وكبس منزله فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مُكتتبة بماء الذهب في ورق الحرير، مجلدة بأفخر الجلود، ووجد عنده سفطاً فيه من رجيع الحلاج وبوله، فطلب الوزير من الخليفة المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج، ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم، فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله، وأنه يحيي الموتى، وأنهم كاشَفوا الحلاج بذلك فجحد وكذَّبهم………
فحبسه (أي الوزيرحامد بن العباس) في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء، فأجمعوا على كفره وزندقته وأنه ساحر ممخرق.
ورجع رجلان صالحان ممن كان اتبعه فذكروا من فضائحه وما كان يدعو إليه الناس من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئاً كثيراً،
(((((((ولما كان آخر مجلس أحضر القاضي “أبو عمر محمد بن يوسف”، وجيء بالحلاج وقد اُحضِرَ له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: “من أراد الحج ولم يتيسر له فليبنِ في داره بيتاً لا يناله شيءٌ من النجاسة، ولا يمَكِّن أحداً من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعل الحجيج بمكة، ثم يستدعي بثلاثين يتيماً فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصاً قميصاً ويعطي كل واحد منهم سبعة دراهم – أوقال ثلاثة دراهم – فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج، وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندباً أجزأه ذلك عن صيام رمضان، ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك، وأن من جاور بمقابر الشهداء بمقابر قريش عشر أيام يصلي ويدعو ويصوم، ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح الجريش، أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره“.
فقال له القاضي عمر: “من أين لك هذا؟”
فقال: “من كتاب الإخلاص للحسن البصري.”
فقال له: “كذبت يا حلال الدم، فد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيءٌ من هذا.”
فأقبل الوزير “حامد بن العباس” على القاضي فقال له: قد قلت: يا حلال الدم. فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألح عليه وقدم له الدواة،
فكتب ذلك في تلك الورقة وكتب من حضر خطوطهم فيها، وانفذها الوزير إلى “المقتدر” (الخليفة)……. ورُدَّ الحلاج إلى محبسه، وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير “حامد بن العباس”، فكتب إلى الخليفة يقول: إن أمر الحلاج قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان، وقد افتُتِن كثير من الناس به. فجاء الجواب بأن يـُـسـَـلـَّم إلى صاحب الشرطة فليضربه ألف سوطٍ فإن مات وإلا ضُرِبَت عنقه. ))))))))
قالوا: ولما أُخرِج من المنزل الذي بات فيه ليُذهَبَ به إلى القتل أنشد:
طلبت المستقر بكل أرضٍ … فلم أرَ لي بأرضٍ مستقراً
أطعت مطامعي فاستعبدتني … ولو أني قنعت لعشت حراً
وقال السلمي:
سمعت أبا بكر البجلي يقول: سمعت أبا الفاتك البغدادي –وكان صاحب الحلاج- قال: رأيت في النوم بعد ثلاث من قتل الحلاج، كأني واقف بين يدي ربي أقول: يا رب، ما فعل الحسين بن منصور؟ (أي الحلاج) فقال: كاشفته بمعنى فدعى الخلق إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت.

وقال الخطيب: ….بسنده قال لنا أبو عمر: لما أخرِج الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس ولم أزل أزاحم حتى رأيته، فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. ثم قُـتـِــــل.


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

رأي واحد على “قبسات من موسوعة «البِدَايَةُ والنِهَايَة»”

اترك تعليقاً